الشيخ عبد الغني النابلسي
137
كتاب الوجود
--> - هذا الوجود الحادث الذي يزعم أنه وجود ثان غير وجود اللّه تعالى قائم عنده أيضا عنده بوجود اللّه تعالى ، فرجع الوجود كله إلى وجود اللّه تعالى أيضا ، ومن فسر الوجود بما صار به الموجود الحادث موجودا فإنه يقبل القول بوحدة الوجود ويعتقده حقّا ، وهو الصواب الذي يرجع إليه الأقوال جميعها ؛ لأن وجود اللّه تعالى هو الذي به كل موجود موجود بإجماع العقلاء ، فالخلاف في ذلك لفظي ، راجع إلى تغيير المراد من لفظ الوجود . وكلام المحققين من أهل اللّه تعالى في مسألة الوجود من أعلى عليين ، وكلام غيرهم من أسفل سافلين . وكون المراد بالوجود ما به كل موجود موجود في القديم والحادث أقرب إلى التحقيق ، فإنه لا غنى للموجود الممكن عن الوجود القديم ، فهما اثنان ، والوجود الذي هما موجودان به وجود واحد ، وهو للقديم بالذات وللحادث بالغير ، فالقديم موجود بوجود هو عين ذاته ، والحادث بوجود هو عين ذات القديم ، وليس الحادث هو عين ذات القديم ، ولا القديم هو عين ذات الحديث ، بل كل واحد منهما مباين لآخر في ذاته وصفاته ، وإن اجتمعا في الظهور بالوجود الواحد وثبوت الغيبية ، فإن الوجود الواحد للقديم بذاته وللحادث بالقديم لا بذاته ، فالوجود الواحد في القديم وجود مطلق على وجه لا أعظم منه ، وفي الحادث وجود مقيد على وجه يليق بالحادث أدنى من الوجه الأول دنوا ، صادرا من جهة الحادث لا من جهته القديم . وتقريب ذلك برؤية النجم في السماء صغيرا عند أهل الأرض مع عدم تغيره في الكبر الذي هو فيه ، فالكبر إذا ظهر بضده وهو الصغر في البعد لا يلزم أن يكون قد تغير عما هو عليه من إطلاقه ، فإنه وجود مطلق لا ينقسم ولا يتغير ، وكيف المعدوم لغير الموجود الحق ، وإنما التغيير والتبديل واقع في الذوات الحادثة وجودها ، فاللّه تعالى يغيرها كيف يشاء ، وينقلها من عدمها الأصلي إلى وجودها الطارئ الذي هو وجوده سبحانه ، فتتصف بوجوده سبحانه على حد ما يناسبها كما كانت متصفة به في الوجود العلمي من غير أن ينقسم وجوده سبحانه ولا يتغير بسبب هذا الاتصاف المذكور ، كما أن الماء الصافي إذا فرضنا وقدرنا أننا وضعنا فيه زاجا فإنه يصير أسود اللون من غير أن يتغير هو في نفسه ، فلا زال عنه صفاؤه ، وكذلك إذا فرضنا وقدرنا أن فيه زنجفرا فإنه يصير أحمر اللون ، وهكذا في جميع الألوان ، والماء لا يتغير أصلا في نفسه ، ولا يزول صفاؤه عنه ، وهما شيئان ماء وزاج ، أو ماء وزنجفر ؛ لأنه لا شيء واحد ، ولكنه ماء محقق ، وزاج أو زنجفر مفروض مقدر ، وهما موجودان بوجود واحد ، وهو وجود الماء فقط ، وليس الزاج المقدر أو الزنجفر موجودا آخر غير وجود الماء ، بل لا وجود له أصلا مع وجود الماء ، والوجود للماء وحده ، ولكن استعير للزاج المفروض المقدر ، أو الزنجفر وجود الماء ؛ -